السيد محمد الصدر
121
فقه الأخلاق
فهو قليل وضيق والرحمة جليلة واسعة . ومن هنا لا ينبغي الاعتماد في النجاة على العمل مهما كان ، بل على الرحمة . بل إن العمل الصالح في الدنيا كان بحسن التوفيق والرحمة نفسها ، فكيف يمكن تقديم أهميته عليها أو جعله كفؤاً لها . ثالثاً : لا دليل على أن كل ميت يتمنى الرجوع إلى الدنيا ، ولكن لعل الأعم الأغلب منهم كذلك ، إلا من تداركه الله برحمته الواسعة . غير أنه من المؤكد بنص القرآن الكريم ، إن تمني الرجوع ليس شوقاً إلى الدنيا أو آسفاً على فراقها ، وان كان هذا موجودا عند الكثيرين . غير أن الأهم في نظر الميت عندئذ هو الرجوع لممارسة الطاعة والاستغفار . وبناء ما خسره في الآخرة من جديد . قال الله سبحانه : ( رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ) « 1 » . وهذا الدعاء غير مستجاب ، حسب ظاهر القرآن الكريم . حيث يجاب الميت : ( كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) « 2 » . والحكمة من الرفض هي أن الفرد كان يتخيل في تلك اللحظة انه إذا رجع إلى الدنيا مارس العمل الصالح والتقوى . إلى أن خياله ذلك خاطئ ، فإنه إذا عاد سوف يمارس عمله السابق نفسه ، ويتصرف حسب مستواه النفسي والعقلي والإيماني . فتكثر ذنوبه وتزداد عيوبه ، وبالتالي : تسوء آخرته ، وهو يريدها أن تتحسن . فمن الحكمة له ، بل والرحمة به أن يرفض طلبه ذلك ويرد دعاؤه .
--> ( 1 ) سورة المؤمنون - آية 99 - 100 . ( 2 ) سورة المؤمنون - آية 100 .